فخر الدين الرازي

145

تفسير الرازي

الفقهاء من قال : إنه لا يفيد إلا الاستلزام ، فأما الانتفاء لأجل انتفاء الغير ، فلا يفيده هذا اللفظ والدليل عليه الآية والخبر ، أما الآية ، فهي هذه الآية ، وتقريره : أن كلمة * ( لو ) * لو أفادت ما ذكروه لكان قوله : * ( ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ) * يقتضي أنه تعالى ما علم فيهم خيراً وما أسمعهم . ثم قال : * ( ولو أسمعهم لتولوا ) * فيكون معناه : أنه ما أسمعهم وأنهم ما تولوا لكن عدم التولي خير من الخيرات ، فأول الكلام يقتضي نفي الخير ، وآخره يقتضي حصول الخير ، وذلك متناقض . فثبت أن القول بأن كلمة * ( لو ) * تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره يوجب هذا التناقض ، فوجب أن لا يصار إليه . وأما الخبر فقوله عليه السلام : " نعم الرجل صهيب لو لم يخف الله لم يعصه " فلو كانت لفظة " لو " تفيد ما ذكروه لصار المعنى أنه خاف الله وعصاه ، وذلك متناقض . فثبت أن كلمة * ( لو ) * لا تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره ، وإنما تفيد مجرد الاستلزام . واعلم أن هذا الدليل أحسن إلا أنه على خلاف قول جمهور الأدباء . المسألة الثالثة : أن معلومات الله تعالى على أربعة أقسام : أحدها : جملة الموجودات . والثاني : جملة المعدومات . والثالث : أن كل واحد من الموجودات لو كان معدوماً فكيف يكون حاله . الرابع : أن كل واحد من المعدومات لو كان موجوداً كيف يكون حاله ، والقسمان الأولان علم بالواقع ، والقسمان الثانيان عم بالمقدر الذي هو غير واقع ، فقوله : * ( ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ) * من القسم الثاني وهو العلم بالمقدرات ، وليس من أقسام العلم بالواقعات ونظيره قوله تعالى حكاية عن المنافقين : * ( لئن أخرجتم لنخرجن معكم . . . وإن قوتلتم لننصرنكم ) * وقال تعالى : * ( لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ) * ( الحشر : 11 ، 12 ) فعلم تعالى في المعدوم أنه لو كان موجوداً كيف يكون حاله ، وأيضاً قوله : * ( ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ) * ( الأنعام : 28 ) فأخبر عن المعدوم أنه لو كان موجوداً كيف يكون حاله . * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) * . في الآية مسائل :